
تسعى فرنسا إلى توسيع دورها بوصفها قوة نووية أوروبية، في مسعى لتعزيز الردع في مواجهة روسيا، بالتزامن مع تصاعد الشكوك الأوروبية بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة لضمان أمن حلفائها في القارة، ولا سيما في حال اندلاع مواجهة واسعة مع موسكو.
وتقوم المبادرة التي أطلق عليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون اسم «الردع المتقدم» على تعزيز التعاون النووي مع عدد من الدول الأوروبية، بما يشمل إتاحة انتشار مقاتلات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية في أنحاء القارة، إلى جانب تطوير البنية التحتية وأنظمة الاتصالات والإنذار المبكر وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وتهدف باريس من خلال هذه الخطوات إلى تعزيز قدرة أوروبا على مواجهة التهديدات المحتملة، ورفع مستوى الغموض الاستراتيجي الذي يتعين على القيادة الروسية أخذه في الحسبان عند تقدير كلفة أي تصعيد عسكري.
تعاون أوروبي لمواجهة التهديدات الروسية
تأتي المبادرة الفرنسية في ظل تنامي المخاوف الأوروبية من احتمال توسع المواجهة مع روسيا، بالتوازي مع تساؤلات بشأن مدى استعداد واشنطن لتحمل مخاطر التصعيد النووي دفاعاً عن حلفائها الأوروبيين.
وبحسب تقارير صحفية، انضمت 10 دول أوروبية إلى المبادرة بدرجات متفاوتة من المشاركة منذ إعلانها في آذار الماضي. وتشمل هذه الدول بريطانيا وألمانيا وهولندا وبلجيكا وبولندا واليونان وفنلندا والنرويج والسويد والدنمارك.
في المقابل، لم تنضم دول البلطيق الثلاث إلى المجموعة، رغم موقعها الجغرافي الذي يجعلها من أكثر الدول الأوروبية تعرضاً للضغوط الروسية، فيما رفضت إيطاليا المشاركة في المبادرة.
ولا تعني هذه الترتيبات بالضرورة نشر أسلحة نووية فرنسية في جميع الدول المشاركة، إذ يتصل التعاون المطروح أيضاً بتنسيق القدرات العسكرية وتطوير أنظمة الدعم والتخطيط والإنذار المبكر.
ترسانة فرنسية بلا ضمانات نووية صريحة
تسمح العقيدة النووية الفرنسية باستخدام السلاح النووي عندما تكون «المصالح الحيوية» للبلاد مهددة. وقد أوضح ماكرون أن هذه المصالح لا تقتصر على الحدود الجغرافية لفرنسا، بل تتضمن بُعداً أوروبياً، في إشارة إلى ارتباط أمن بلاده باستقرار القارة.
وتشير التقديرات إلى أن فرنسا تمتلك نحو 290 رأساً نووياً عملياتياً، ما يجعلها القوة النووية الوحيدة داخل الاتحاد الأوروبي، بعد خروج بريطانيا منه، فيما تواصل لندن امتلاك ترسانة نووية مستقلة.
ومع ذلك، لا تزال باريس تتجنب تحديد النطاق الجغرافي الدقيق لمصالحها الحيوية، ولم تقدم ضمانات صريحة للدول الأوروبية بشأن الظروف التي قد تستخدم فيها أسلحتها النووية للدفاع عنها. ويترك هذا الغموض تساؤلات بشأن طبيعة الحماية التي يمكن أن توفرها المبادرة، والحدود التي قد تقف عندها الالتزامات الفرنسية.
وفي هذا السياق، أكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب عدم وجود نية لنشر أسلحة نووية على الأراضي الفنلندية في أوقات السلم، لكنه اعتبر أن المبادرة الفرنسية تضع روسيا أمام معضلة استراتيجية جديدة.
شكوك قديمة تتجدد بشأن المظلة الأميركية
لا تعود المخاوف الأوروبية من مدى استعداد الولايات المتحدة للمخاطرة بمواجهة نووية دفاعاً عن حلفائها إلى المرحلة الحالية. فقد برزت هذه التساؤلات منذ ستينيات القرن الماضي، عندما عمل الرئيس الفرنسي شارل ديغول على بناء قوة ردع نووية مستقلة، بعدما لم يحصل من الرئيس الأميركي آنذاك جون كينيدي على استجابة اعتبرها كافية لضمان أمن فرنسا.
لكن هذه الشكوك اكتسبت زخماً جديداً في السنوات الأخيرة، في ظل التقارب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، والتحركات الرامية إلى التوصل إلى تفاهمات بشأن الحرب في أوكرانيا، إلى جانب الضغوط الأميركية على كييف.
وتثير هذه التطورات تساؤلات لدى بعض العواصم الأوروبية بشأن استمرارية الالتزام الأميركي بأمن القارة، ومدى إمكان الاعتماد على واشنطن وحدها في مواجهة تهديدات استراتيجية محتملة.
اختلاف في القدرات والحسابات العسكرية
تختلف القدرات النووية الفرنسية في طبيعتها عن منظومة القنابل النووية الأميركية من طراز «B61»، المنتشرة في إطار ترتيبات حلف شمال الأطلسي. وتعتمد فرنسا، ضمن قدراتها النووية، على صواريخ كروز من طراز «ASMP-A» تحملها مقاتلات مخصصة لهذه المهمة.
وتشير تحليلات عسكرية إلى أن هذه القدرات قد تمنح باريس خيارات مختلفة في حسابات الردع، بما في ذلك القدرة على تهديد أهداف استراتيجية روسية. غير أن فاعلية أي مظلة نووية أوروبية لا تتوقف على نوع السلاح أو مداه فحسب، بل ترتبط أيضاً بوضوح الالتزامات السياسية، وآليات اتخاذ القرار، ومدى استعداد الدولة المعنية لتحمل تبعات استخدام السلاح النووي.
ومن ثم، فإن توسيع التعاون الفرنسي قد يعزز التنسيق الدفاعي الأوروبي، لكنه لا يضمن تلقائياً توفير بديل كامل للمظلة النووية الأميركية، التي تظل جزءاً أساسياً من منظومة الردع داخل حلف شمال الأطلسي.
مستقبل المبادرة مرتبط بالتوازنات السياسية
إلى جانب التحديات العسكرية والاستراتيجية، يتوقف مستقبل المبادرة على التطورات السياسية داخل فرنسا. وقد يثير احتمال وصول مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، إلى الرئاسة تساؤلات بشأن استمرارية السياسة النووية الفرنسية وطبيعة التزامات باريس تجاه شركائها الأوروبيين.
ويكتسب هذا العامل أهمية خاصة لأن الردع النووي لا يعتمد على القدرات العسكرية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى ثقة الحلفاء في استقرار التوجهات السياسية واستمرارية الالتزامات الدفاعية على المدى الطويل.
وبين السعي إلى تعزيز استقلالية أوروبا الاستراتيجية واستمرار اعتمادها على الولايات المتحدة، تحاول فرنسا توسيع دورها النووي وإعادة تحديد موقعها في منظومة الأمن القاري. وقد يفرض هذا التحرك حسابات إضافية على موسكو، إلا أن مدى تأثيره سيظل مرتبطاً بمستوى التنسيق بين الدول الأوروبية، ووضوح الضمانات الفرنسية، وطبيعة العلاقة الأمنية المستقبلية بين أوروبا وواشنطن.




